أخبار عاجلة

أمي الكردية وتغريدات ترامب

أمي الكردية وتغريدات ترامب
أمي الكردية وتغريدات ترامب

تتذكر والدتي في عقدها الثامن المرارة الكردية من تاريخ علاقة الملا، مصطفى البارزاني، مع أميركا، وهي إذ تختصر التعابير والمجاملات، تصف تخلي الأميركان عن ثورة الكرد في كردستان العراق في سبعينات القرن المنصرم بالخيانة، فهي تنتمي إلى الجيل الذي يشغل الحدس والمشاعر تفوقاً فطرياً على العقل والمنطق، حيث تكرّر والدتي مراراً العبارة الأثيرة "لا أصدقاء سوى الجبال"، وبطريقتها الخاصة "الجبال فقط أصدقاء للكرد"، وذلك في اجترار الكردي مظلوميته واختزال خيبة الكرد مع الحلفاء، حيث يلاقي التوجس الكردي في العلاقة مع أميركا في كل مرحلة تاريخية، وفي هذه المرحلة بالذات، أدلة تدعم تلك الهواجس وترسخ تلك المخاوف.

منذ اندلاع الثورة السورية ربيع 2011 وانخراط الكرد في ثورتهم المزعومة "الخاصة" بعد يوليو/ تموز 2012 بعد استشفافهم أو تصادف حظوظهم مع انحسار الكتلة المدنية والعلمانية، والمد الهائل في الكتلة الدينية والمذهبية في الحراك السوري بفعل تضافر عوامل داخلية وإقليمية عديدة، ودخول الولايات المتحدة عام 2015 بشكل مباشر على خط قيادة التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، المتمثل في تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وأخواتها من جبهة النصرة والفصائل الإسلامية المتطرفة، واعتمادها المباشر على وحدات الحماية الكردية، النواة الرئيسية لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) الذي تم تأسيسها فيما بعد. وذلك بعد محاولات فاشلة لدعم بعض الفصائل السورية الأخرى التي انتهى بها المطاف إلى الإنضمام لفصائل إسلامية متطرفة، أو بيع عتادها وأسلحتها، وانحسر نفوذها، عمداً أو قسراً، لصالح تلك الفصائل المتطرفة، منذ اللحظة الأولى التي بدأت العلاقة الجديدة (الكردية الأميركية) وأنا أحاول جاهداً وفي مناسبات عدة تغيير وجهة نظر والدتي.
سردت لها ذات يوم أن المقاتلين الكرد هم القوة الأكثر انضباطاً وتنظيماً في اللوحة السورية، والقوة الأكثر حداثة وعلمانية من زاوية تعاطيها مع ملف المرأة والمناحي الحياتية الأخرى، والقوة الأكثر كفاءةً على الأرض، وكذلك إيفاءً بإلتزماتها الأخلاقية، وما نشهده بشكل منتظم من عبور عشرات الشاحنات المحملة بالسيارات المصفحة والمعدات العسكرية لنهر دجلة قادمةً من إقليم كردستان إلى شمال سورية عبر بلدة ديرك (المالكية) وبلدة كركي لكي (معبدة) أمام أبصار المارة، أسرد لأمي مشاهدات يومية وأخبار تلفزيونية وتحاليل سياسية عن الدعم الأميركي المستمر لقوات قسد.. لم تتغير ملامح والدتي ولم تصبها الدهشة أو المفاجأة أو يحصل أي ارتباك في مشاعرها لتغيير قناعتها الراسخة في الخيبة الكردية من الدعم الأميركي.
لا تعرف والدتي القراءة والكتابة، ولا تعرف من اللغات غير الكردية، ولا تتابع من القنوات غير الكردية أيضاً، وأنا أسرد لها عشرات العناوين العريضة عن بسالة المقاتلين الكرد في الصحافة الغربية وعن الصور التي تظهر على الشاشات عن شجاعة وضراوة الفتيات الكرد في الدفاع عن الإنسانية في حربها ضد البربرية، أسرد لها عن المشروعية التي اكتسبتها القضية الكردية في أنها أصبحت محمولة على سمو ونبالة محاربة الإرهاب. تهز أمي رأسها وتقول: لم يكن كرد البارزاني أقل تفاؤلاً من كرد أوجلان في علاقتهم مع الأميركان.
أسقط المقاتلون الكرد عاصمة دولة الخلافة الإسلامية (داعش) في رقة هارون الرشيد في أكتوبر/ تشرين الأول 2017، وأثبت المقاتلون الكرد كفاءتهم على الأرض، وأشادت بجهودهم العالم أجمع. والكرد بهذا المعنى يستحقون وفاءً من حلفائهم الأميركان، أليس هزيمة داعش في خلافتها برهانٌ على نجاعة التحالف مع الكرد في الوقت الذي احتضنت العديد من دول المنطقة، ومنهم تركيا وإيران العديد من الفصائل المتطرفة؟
شرحت لوالدتي كيف تنزاح تركيا إلى أحلامها العثمانية في ظل قيادة الرئيس أردوغان حزب العدالة والتنمية، فتبتسم والدتي في برودة وتحاجج، أن العالم كله كان شيوعيا باستثناء مسعود البارزاني الذي كان أميركياً، ولم تشفع له أميركييته ومعاندته لموجة اليسار العالمية في الظفر والاحتفاظ بالدعم الأميركي.
سيطرت قوات "قسد" على أكثر من ثلث مساحة سورية وحررتها من براثن الإرهاب الداعشي، وأقامت الواجهة المدنية لها مسد (مجلس سوريا الديمقراطية) بإمكانياتها المتواضعة، إدارات ذاتية محلية تحت إشراف خبراء من التحالف الدولي، ولم تقم مسد إمارات إسلامية، ولم تقم فاشيات محلية، ولم تساهم في الصراع المذهبي الذي طغى على مفاهيم الحرية والكرامة التي أقلعت بها الثورة السورية.
استقبل الكرد، في التاسع عشر من ديسمبر/ كانون الأول المنصرم، تغريدة جديدة لرئيس الدولة الحليفة، دونالد ترامب "تم القضاء على داعش والقوات الأميركية في طريقها إلى الديار"، وذلك عقب التحضيرات التركية لاجتياح شرق الفرات بمرافقة بعض الفصائل المعارضة.
لم تعلم والدتي كما لم أشأ لها أن تعلم بتغريدات ترامب، وهي تدرك أن التغريدات لغة العصافير، ولا يمكن لرئيس الدولة الأكبر في العالم أن يغرد! كما لا أريد لها أن تدرك أن قناعتها في بؤس الكرد وخيبتهم من الأميركان، سيتم توارثها جيلاً بعد جيل.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى مصر.. رائحة الموت في كل مكان