لماذا لا يهنئ الأخ عبدالله النصارى؟

لماذا لا يهنئ الأخ عبدالله النصارى؟
لماذا لا يهنئ الأخ عبدالله النصارى؟

"إن فعل المعاصي مجتمعة أهون من تهنئة النصارى بعيدهم!". كتب الشاب عبدالله أشرف هذه العبارة على صفحته في موقع فيسبوك، لتحظى بانتشار هائل. لعل السبب ليس عبارة ابن القيم المكرّرة بحد ذاتها، ولكن لأن العبارة هذه المرة لم تخرج من الوجوه السلفية المعتادة، بل من وجهٍ مختلف: شاب صغير بوجه طفولي، عمره ثمانية عشر عاماً، يهتم بشعره وأناقته، يشجّع الأهلي، ويمزح مع أصدقائه.
تشير جولة سريعة في صفحته فوراً إلى هويته السياسية، لو جاز وصفها كذلك. الشاب ذو توجه إخوانيّ قح.
هل يُحرّم "الإخوان المسلمون تهنئة الأقباط؟ الإجابة: لا شيء. صفر. مجهول! على أرض الواقع، يحكم الاضطراب المشهد، فعلى سبيل المثال، زار القياديان في الجماعة محمد مرسي، شخصياً، وسعد الكتاتني، الكاتدرائية للتهنئة بعيد الميلاد في يناير/ كانون الثاني 2012، وهو ما يضيف إلى مرسي جريمة أنه "شهد صلاتهم" أيضاً. وأثار هذا جدلاً داخلياً واسعاً، لعله كان السبب أنه بعد فوزه بالرئاسة أصبح يكتفي بالتهنئة الهاتفية، ولم يكرّر الزيارة.
أما في الإطار النظري، فبحكم اطلاعي على مناهج "الإخوان" المعتمدة داخلياً من مرحلة "الأشبال" إلى "الأخ العامل"، لا يوجد أي ذكر إيجابي أو سلبي لهذه القضية، مثل عشرات القضايا الإشكالية الأخرى غير الموجودة أصلاً، ما يترك مساحةً واسعةً للخضوع للمناخ السائد، ما أسفر عن ظاهرتَي "ترييف الإخوان" و"تسلف الإخوان"، كما وصفهما الباحث حسام تمام، رحمه الله.
واللافت هنا أن رموزاً إخوانية، مثل الشيخين يوسف القرضاوي ومحمد الغزالي وغيرهما، قد أصدروا فتاوى مطولة منذ سنوات طويلة تتفق مع رأي الأزهر بالإباحة، وناقش القرضاوي بشكل مباشر فتوى بن تيمية السائدة، ولكن فعلياً لا يدرس أي إخوانيٍّ، في أي وقت، كتاباً واحداً لهذه الأسماء مطلقاً!
كأن أدبيات الجماعة نفسها، على الرغم من كل النقد المنطقي الذي يوجّه لها، لا يمكن أصلاً التعامل معها بجدّية، في ظل تغييبها التام عن القواعد التي يقتصر دورها على التشجيع والتفاخر، مثل روابط "الألتراس" بل أسوأ، فمشجعو الكرة لا يتفاخرون بفريقٍ لا يعرفونه.
بالتأكيد، ثمّة من يقول الآن: كيف يوجّه هذا الكلام التافه إلى "الإخوان" اليوم، وهم بين سجين ومطارد؟ الإجابة يحملها الشاب ذو الوجه الطفولي. بالتأكيد، ليس الحديث موجهاً إلى من خلف القضبان، ولكن مئات الآلاف من أعضاء "الإخوان" وأعضائهم لم يتبخروا، وإن تفتّتوا تنظيمياً، وبعض القطاعات تلملم بقايا التنظيم، وتركز وجودها للأنشطة "التربوية" فقط، فضلاً عن التحرّكات الواسعة في المهجر، حيث تنشط "الأُسَر" التنظيمية، وتدرس المناهج، وقد شملت مشاريع "الإخوان" المباشرة وغير المباشرة في تركيا مدرسةً وجامعة. وفي أثناء زيارتي تركيا أخيرا، التقيت طفلين درسا في هذه المدرسة، وشاهدت أوراقها، وكان مفاجئاً مدى كونها نسخة طبق الأصل من المدارس الإخوانية في مصر، كأن شيئاً لم يكن.
يأمل الخطاب الداخلي الإخواني تجاوز "المحنة"، لتظهر عنقاء الرماد من جديد، كما حدث بعد نحو عشرين عاماً من بدء حملة عبد الناصر عام 1954. ولذلك، من المنطقي أن نتساءل عما يُزرع اليوم ليُحصد في المستقبل.
من زاوية أخرى، بالتأكيد، ليس هذا أمراً تافهاً، فبمد الخط، نعرف أن الجماعة لم تحسم أبداً موقفها، فهي تمتدح الرئيس التركي، أردوغان، لكنها، في الوقت نفسه، رفضت دعوته لها إلى العلمانية، حين زار مصر. وهي تنتقد السلفيين سياسياً، لكن قواعدها، في الوقت نفسه، تتبناهم فقهياً. ما هو موقف الإخوان الفقهي لا السياسي من السياحة؟ الحريات الشخصية؟ تطبيق الحدود الجنائية في "الشريعة"؟
وشهدنا كيف كان عاملاً رئيسياً في تفجير الوسط السياسي المصري انحيازُ الإخوان المسلمين في أثناء كتابة الدستور لصف حزب النور السلفي، بمزايداته الدينية. .. ولذلك، ننظر إلى مستقبلٍ نأمل ألا يكون بعيداً، حيث يستحيل أن يحدث تحول ديمقراطي حقيقي بإقصاء مكون شعبي، كالإسلاميين المعتدلين. وفي الوقت نفسه، ليست الديمقراطية صناديق فقط، من دون باقي قيم المواطنة والمساواة.
وإذا كانت المرحلة الحالية يصعب فيها العمل السياسي، فلعلّ العملَين الفكري والاجتماعي هما المتاحان، شاملَين أكبر الأمور، وحتى دراسة أسباب رفض شاب صغير تهنئة الأقباط.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى مصر.. رائحة الموت في كل مكان