أخبار عاجلة
عن "المؤامرة" على القمة -
علماء جامعة كنساس يكشفون سرّ الزواج الناجح -
حكاية عن التجسّس -
عن حل المجلس التشريعي الفلسطيني -
لبنان بين صراعاته الداخلية ومخاطر حرب -
"بريكس" تفقد باءها -
تونس وما بعد الإضراب العام -
يحدث في الجزائر -
كيف انتهت تجارب الحكم العسكري -
مغامرة فراس السواح -

عن انتخابات بونتلاند في الصومال

عن انتخابات بونتلاند في الصومال
عن انتخابات بونتلاند في الصومال
جرت انتخابات رئاسية في إقليم بونتلاند الفيدرالي في الصومال، في 8 يناير/ كانون الثاني الجاري، وجاءت برئيس جديد يعتبر رجل نهضة قطاعها التعليمي والتجاري في بونتلاند، والذي يتمتع بحكم شبه ذاتي، منذ تأسست عام 1998. وأطاحت الرئيس عبد الولي غاس، الخصم لسلطة مقديشو، ضمن تحالفٍ يُدعى منتدى التعاون الفيدرالي، تمت في جو من النزاهة والشفافية، وكانت ديمقراطية انتخابية مصغرة، شهدها إقليم صومالي بلا فوضى ولا قلاقل سياسية وأمنية.
فاز سعيد دني (52 عاماً) بـ 35 صوتاً، في مقابل 31 صوتاً لمنافسه، في الجولة الثالثة من أصل 66 صوتاً من أعضاء البرلمان الفيدرالي المحلي، وأقرّ المتنافسون الـ21 في الانتخابات الرئاسية، قبل بدء التصويت، قبولهم المبدئي بنتيجة الانتخابات، وهي شهادات أمام حشد من النواب ورجال القبائل والعلماء، وكأنها الفصل الأخير للحد من أي تجاوزاتٍ مقبلة، ستعترض العرس الانتخابي في الولاية.
لا تتعلق هذه المقالة بأعمال شخصية الرئيس الفائز بكرسي بونتلاند (أرض اللبان والعطور)، وإنما بجانبٍ من جملة التحديات الرئيسة أمام حاكم جروي (عاصمة الإقليم) الجديد، ومن أبرزها معضلة الأمن، فقد كان الأمن في إقليم بونتلاند، في السنوات الأخيرة، مضطرباً نتيجة بروز تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في أعالي جبال غلغلا، منذ أعلن أعضاء سابقون في تنظيم حركة الشباب ولاءهم لـ"الدولة الإسلامية"، وانشقاقهم عن فرع تنظيم القاعدة في 
"كل رئيس صومالي جديد على الحكم يرث إرثاً ثقيلاً من الفساد المالي والإداري"
الصومال، الأمر الذي زاد طين أمن بونتلاند بلة، بعد أن كان النظام يعاني مقارعة أعضاء حركة الشباب النشطين في المنطقة نفسها، وتشن الجماعتان هجماتٍ متفرقةً ضد حواجز الحكومة المحلية، فضلاً عن اغتيالاتٍ تطاول مسؤولين ومواطنين في أصقاع بونتلاند، سيما خاصرتها الاقتصادية والتجارية بوصاصو التي تدعم ميزانية الدولة بنحو يفوق 60% من إيرادات الدخل الرسمي. وبذلك، تعتبر معضلة فك شفرة الفوضى الأمنية مهمة قصوى للنظام الجديد، فمن دون دعائم الأمن ستتعقد عجلة التنمية الاقتصادية والسياسية والتعليمية، ويعتبر نجاح النظام الجديد في تبديد مخاوف المواطن البسيط الأمنية مقياساً لإنجازاته ومكاسبه في الواقع، ولا تبنى على زياراتٍ يصول فيها ويجول كل رئيس جديد نحو الإقليم أو تجاه مقديشو.
وهناك معضلة الفساد، لم يعد سراً أن كل رئيس صومالي جديد على الحكم يرث إرثاً ثقيلاً من الفساد المالي والإداري، كأن بحار الفساد امتدت تحت ساقيه، ليغوص مع الفاسدين أو أن يتجنب، على الأقل، خوض هذه البحار من ظلمات الفساد وأوكار الغش المالي والسياسي، فمن الصعوبة بمكان أن تتوقع حالياً أن الرجل الجديد في قصر جروي سينهي الفساد المتفشي في النظام، لأن مكافحة الفساد في ظل الفقر المدقع أمر في غاية الصعوبة، إلا أن من الممكن الحد من تأثيراتها، عبر تبنّي سياسات إصلاحية اقتصادية وسياسية، هدفها الرئيس الحدّ من كومة الفساد المتراكمة في المؤسسات الرسمية، بدل أن يصبح شعار القضاء على الفساد حملةً إعلاميةً لا طائل من ورائها سوى رجع الصدى عبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعي.
على الرغم من وسم الفساد الذي بات سمة العار لـ"الصومال" القابع في ذيل الدول الأكثر فساداً في العالم، إلا أن منحنى الفساد تخفّ وتيرته عندما تتجه نحو المناطق الشمالية الشرقية. ولكن ليس هذا بيت القصيد، فالنظام في بونتلاند ليس معصوماً من وزر الفساد. ولكن بدرجة أقل من الجنوب الغارق في مستنقعه حتى أذنيه، فالقضاء على سمة العار هذه مهمة حتمية للرئيس الجديد.
يتهامس تجار كثيرون أن الاقتصاد في بونتلاند، وخصوصاً في العاصمة التجارية للولاية، بوصاصو، بات هشاً وأثر على حياة المجتمع الصومالي، نتيجة غياب سياسة اقتصادية للإقليم، لمواجهة التحديات الاقتصادية، ما أدى إلى تراجع تجارة الصادرات في بونتلاند، مثل اللبان والماشية والأسماك، فضلاً عن البطالة التي يدفع ثمنها شبابٌ كثيرون، وخصوصاً الخريجين من الجامعات المحلية.
يعتقد صوماليون كثيرون أن اختيار الرئيس الأسبق، عبد الولي غاس، رئيساً للإقليم عام 2014، لم يكن لأنه رجل أمن عسكري فطن، ولا شيخ عشيرة يفك عقد القبائل، ويضع عصا المصالحة بين المتناحرة منها، بل لأنه رجل اقتصاد وذو خبرة سابقة، وشغل منصب وزير تخطيط في الحكومة الانتقالية، لكنه لم ينجح في مداواة الجرح الاقتصادي النازف. وقياساً على ذلك، ستتركز مهمة الرجل الجديد على تطوير قطاعين حيويين، نهضة اقتصادية وثورة تعليمية.
وبشأن العلاقة مع مقديشو و"أرض الصومال"، فمعلوم أن أزمات سياسية اندلعت في 
"مكافحة الفساد في ظل الفقر المدقع أمر في غاية الصعوبة"
الصومال، منذ عام 2017، وانقسامات جديدة، نتيجة تحالف من أربع ولايات فيدرالية ضد الحكومة الفيدرالية، وهي معارضة سياسية كان نظام بونتلاند طرفاً فاعلاً فيها. ولكن مع جلاء صورة الانتخابات الراهنة، ستتضح معالم مستقبل هذا الإقليم، إما مواصلة نهج المعارضة تجاه الحكومة في مقديشو، أو أن تتصالح معها، ليبدأ فصل جديد بين المركز والأطراف، ويأخذ النظام الجديد في بونتلاند شعلة المصالحة والوفاق والوئام بين الأنظمة السياسية في الصومال.
وفي الضفة الأخرى من هذا الصراع السياسي المتأرجح بين نظام بونتلاند ومقديشو، يتواصل صراع عسكري مع جارتها "أرض الصومال"، وهو نزاع حدودي متفاقم منذ عام 2017، وفشل كلا النظامين في إيقافه، فهل سيجتاز الرجل الجديد في بونتلاند مصاعب حل هذا الصراع بين الإخوة في الشمال ويحتويه.
دوماً في الصراعات السياسية والعسكرية، لا أحد يعود كما كان، فأمام الرئيس الجديد في بونتلاند، سعيد دني، خياران.. إما أن يجنح إلى السلم ويفتح حواراً مع هرجيسا (عاصمة أرض الصومال) لإنهاء هذا الصراع، ليصبح سياسياً وشيخاً قبلياً في آن، فما لم يأت بالسلام لا يأتي بهدير الرصاص، أو أن يواصل نهج أسلافه، وهذا ليس من شيم رجل مثقف وصاحب سجل إنجازات تعليمية واقتصادية في بونتلاند.
أخيراً، الطريق طويل أمام نهضة بونتلاند سياسياً وأمنياً واقتصادياً، فإذا تحققت للرئيس الجديد نسبة ضئيلة في تجاوز تلك التحديات، فإن من الممكن إحداث نهضة تعليمية واقتصادية وأمنية. وإذا فشل في تحقيق تطلعات السواد الأعظم من سكان بونتلاند، فذلك يعني خمس سنوات مقبلة، ملؤها الفوضى السياسية والأمنية، لا سمح الله، والأمل معقود على النظام القادم، فعند الشدائد تظهر معادن الرجال.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق الطاغية والمسجد
التالى رحّالة الشقاء