أخبار عاجلة
حديث محلي عن حرب في الربيع   -
تفتيح لون البشرة أكثر من درجتين بـ3 خطوات فقط -
مصادر مقربة من الحريري: لا خرق في الجدار الحكومي -
لقاء الحريري وسنة 8 آذار في بعبدا؟ -
جهاز لخدمات عديدة ويحمي الدولة من التزوير -

عن الذات المتفلسفة

عن الذات المتفلسفة
عن الذات المتفلسفة

يقول أفلاطون: بتعاطي الفلسفة كما ينبغي، لا يفعل المرء غير طلب الموت، لذا لم أتجرّع، ولم أرتشف، كي لا أتذوق ما شرب منه سقراط، ولكي أضع حداً للذات المتفلسفة.
منذ التقطتني الأيادي الملائكية، ورأيت النور وسمعت الأصوات على سطح هذا الكوكب الحي، وأنا قادم من إقامتي الفردية الخاصة (رحم أمي) صرخت وأعدت الصراخ، ليس لأمر ذي علاقة بما هو بيولوجي، أو الحديث عن القطيعة الأنطولوجية الأولى، أي النهاية الأولى والبداية الأخرى والانتقال من عالم الأجنة المنفرد والمريح والخاص إلى عالم الأرض المتعدّد والمشترك والمثير، بل صرخت كتساؤلات عن هذا الكون العجيب، الهائل والمبهر الذي قدمت إليه، من دون استشارتي أو حتى إخباري، ما دام لم يكن بإمكاني الكتابة أو التحدث بأي لغة أو إشارات إلى من كان محيطاً بي من أهلي، كي يفهموا تساؤلاتي.
كنت أصرخ وأبكي، لكن لا أحد استوعب معنى صراخي وبكائي، بل فقط كانوا يتسارعون لإرضائي وإسكاتي، وذلك بتنظيفي أو إرضاعي، أو بمد بعض لقيمات العيش إلى فمي، أو بتوفير بعض اللعب، أو بتحريكي كي أنام. لكن أنا لم أكن أبحث عن هذه الخدمات كلها، بل فقط كانت لي تساؤلات، وأريد من يجيبني عنها. وحين تعلمت الحديث والكلام، أصبحت أسأل في كل لحظة، وفي كل مكان، وعن كل شيء، إلى درجة إزعاج المحيطين بي. هكذا تارة كانوا يجيبونني إجابات مقتضبة، منها ما هو صحيح وما هو خطأ أو غير دقيق وغير مكتمل، ومنها ما هو واضح، ومنها ما هو مبهم. وعادة لم يكونوا يجيبونني لسبب ما، إما ليست لهم إجابات عن تساؤلاتي، أو بدعوى كونها من الأمور المحرمة أو الممنوع الحديث فيها أو حتى التساؤل عنها، وفي أحيان كثيرة كان التمويه وحتى الكذب أو الاستغفال هو المسعف لهم. هذا الأمر كان يحصل لي في البيت مع الأبوين أو الأهل أو في المدرسة مع المعلم، وكذلك مع أغلبية الزملاء في الحي أو الدراسة.
كل أنماط الأسئلة والتساؤلات استهلكتها وأنا طفل حتى المسماة "بليدة"، كل الشكوك حامت حول كل ما هو محيط بي، بل حتى عن البعيد عني أو المفترض فيه أن يكون كذلك، حتى الله هذا الجلل، هذا المتربع على قائمة البديهيات والموجود خارج السؤال بالنسبة للكبار المحيطين بي، لم ينجُ هو الآخر من فرط تساؤلاتي وشكوكي.
كان الكل يجهد نفسه من أجل الاعتراض على تساؤلاتي، أو حتى إيقافها أو جعلها تافهة، ومن دون أي معنى أو إفادة، بل اعتبارها مجرد نقاشاتٍ بيزنطيةٍ ومضيعة للوقت، خصوصاً، إن كانت كبيرة، أساسية، جوهرية ومقلقة وفي خانة المسكوت عنه أو اللامفكر فيه أو المحرّم أو المخيف حتى من الاقتراب منه.
وبالإعادة والتكرار والاجترار وترك الوقت للوقت، بل حتى بأشكالٍ من المنع التي كانت تصل إلى درجة العنف اللفظي، كالمعاكسة والتسفيه والتهكّم والازدراء. هكذا راحوا ينحتون في عقلي وذاكرتي، أنه لا جدوى من تساؤلاتي، وقد مرّ قبلي من تساءل وتفلسف، ولم يجنوا في الأخير إلا السراب. وفي كل مرة كنت أصادف من كان يضع حدوداً وحواجزَ أو حتى نهاية لاستفهاماتي بتعابير من قبيل: "لماذا تتفلسف علينا"؟ أو "خذ الأمور ببساطة ومن دون فلسفة". فحتى في أحد الإشهارات المتلفزة التي كانت الممثلة المسرحية المقتدرة، ثريا جبران، متورّطة فيها هي الأخرى، إذ كانت تردّد على مسامعنا: "قُلْ سَدْ البوطة أُبْلا فلسفة"، أو ترديد جمل أتتنا من محيط بعض الفقهاء، كالقول: "الفلسفة تؤدي إلى الزندقة والشرك والكفر"، أو إطلاقهم عبارات: "لقد أكثرت علينا من أسئلتك"، أو "قل ما يقوله الآخرون دون أن تصدع رأسك" أو "لماذا تختلف ولا تأتلف" أو "الشاة التي تخرج عن القطيع يفترسها الذئب" أو "دير كيما دار جارك ولا حول باب دارك" أو "الموت بين عشرة نزاهة" أو "لا يخرج عن الجماعة إلا الشيطان" أو "دير راسك بين الريوس أعيط يا قطاع الريوس" أو "راحت الفراشة لتبحث عن الحقيقة فلم تعد" أو "تفلسف الحمار فمات".
ولكثرة تساؤلاتي، ذات لحظة وأنا تائه في ذاتي، وعندها كانت العادة والمألوف يقتحمانني ويأكلان مني، سألني التساؤل: "لماذا تطرحني في كل لحظةٍ، وفي كل مكان، هل أثقل عليك؟ هل أقلقك؟ لماذا تكثر مني؟ دع مني شيئاً ما للآخرين كي أستريح منك وتستريح مني".
لم تكن لي من الشجاعة الكافية ومن طول النفس ما يجعلني أشق طريقي وحدي وأواصل، هكذا انكمشت على ذاتي ودواخلي، ولم أعد أرى إلا إياها بعد غض للطرف شبه كامل عن عالم غريب، عجيب ومثير.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى رد على رد.. عن تهجير عربٍ في سورية