أخبار عاجلة
القضاء “الهوليوودي” لا يحقق العدالة! -
مقر “التيار” يهدّد الآثار في نهر الكلب! -
هل يلجأ “الاتحاد” إلى تنفيذ تهديده؟ -
دياب يخرق العزلة الخارجية… بزيارة قطر -
انخفاض أسعار المحروقات -
من فوضى الدعم الى أوهام “البطاقة” -
عصر النفقات يُنهي عصر العصائر في طرابلس -
فوضى منظمة… من يحدّد شروط اللعبة؟ -

لماذا يأسر لبنان أقلامنا؟

لماذا يأسر لبنان أقلامنا؟
لماذا يأسر لبنان أقلامنا؟

إشترك في خدمة واتساب

كتب فارس خشان...

ما أكثر الملفات التي تستحق أن ننكبّ، نحن معشر الكتّاب اللبنانيين، على سردها وشرحها وتحليلها، ولكن، عندما نجلس أمام الكومبيوتر تُشلّ أناملنا وتتفسّخ كلماتنا، وتجرّنا أفكارنا الى ، رغماً عنّا.

إنْ فكّرتَ بالإشكالية العالقة بين الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية ، في ضوء القرارات الأخيرة لإدارة الرئيس جو بادين، يصيبك الخجل من أن تُعالج مشكلة، بهذا الحجم، فيما أنت تنتسب إلى بلد عاجز عن تقديم جواب واحد مفيد عن انفجار كارثي، مثل انفجار الذي دوّى بكوارثه، قبل سبعة أشهر.

وإنْ أنتَ عزمتَ على الكتابة عن إقرار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بمسؤولية جيش بلاده عن اغتيال المناضل الجزائري علي بومنجل عام 1957، يخزك ضميرك، وأنتَ تقرأ أنّ ملف اغتيال المناضل اللبناني لقمان سليم لا يزال خالياً من أيّ مستند ذي قيمة قضائية، بعد مرور شهر على جريمة لا يشوبها الغموض.

وإنْ أنتَ قررتَ الكتابة عن الملف النووي الإيراني، في ضوء التفاهم الجديد بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي، تنتابك الرعشة، وأنتَ ترى وتسمع وتقرأ عن المشاكل التي تقع، يومياً، في المتاجر الغذائية، بين مواطن وآخر، وبين زبون وصاحب متجر، على أحقية الحصول على المواد الغذائية التي تُباع بأسعار مدعومة ممّا تبقّى من احتياطي الشعب اللبناني، في المصرف المركزي.

وإنْ أنتَ بدأت مقالة تتعلّق بالمفاضلة التي ستُطرح على شعوب العالم، في وقت قريب جداً، بين النظام الديمقراطي الحر الذي تقوده واشنطن، وبين النظام الاستبدادي الذي تقوده بكين، وجدتَ نفسك محشوراً بين التفسيرات المتناقضة لعودة الحركة الشعبية إلى الشارع مع تسجيل الدولار الأميركي قفزة نوعية جديدة على حساب الليرة اللبنانية المنهارة، فهؤلاء يصفونها بالعفوية وأولئك يجدون أنّها "مؤامرة"، وإن كانوا يختلفون اختلافاً جوهرياً حول تحديد الطرف المستهدف بها، على اعتبار أن جميع المتورطين في خراب لبنان يحترفون سرقة ثوب الضحية.

وإنْ أنتَ فكّرت بالتعمّق في الخطاب الأخير لوزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، الذي أعلن فيه المبادئ التي سترعى السياسة الخارجية لبلاده في عهد جو بادين، أغرقتك السجالات بين رئيس الجمهورية ومن هم معه من جهة، وبين رئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري ومن هم معه من جهة أخرى، ورحتَ تسأل عن المصدر الذي يستمد منه هؤلاء هذا الكم من الطاقة، حتى يتمكّنوا من الدخول في هذا النوع من السجالات، فيما الشعب الذي يدّعون تمثيله ومحبته وخدمته، يغرق في بحر من المآسي.

وإنْ أنتَ عقدتَ العزم على تحليل الحكم الأخير الذي صدر ضد الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي ومحاميه وقاض كان ساركوزي قد توسّل خدماته مقابل وعده بمنصب مرموق، أوقفك العدد الهائل من ملفات الفساد المتراكمة في لبنان، الممنوع على أيّ هيئة قضائية حقيقية أن تمد يدها اليها، تحت طائلة "الويل والثبور وعظائم الأمور".

وإنْ أنتَ أردتَ أنْ تسبق البابا فرنسيس إلى العراق لإجراء قراءة في زيارته لدولة تعاني ما تعانيه من حروب وهيمنات وانتفاضات، غالبيتها تتستّر بالدين، جمّدتك وسائل الإعلام التي يموّلها "الحرس الثوري الإيراني"، وهي تلقي صفات الخيانة والعمالة وتصب شتائمها على البطريرك الماروني بشارة الراعي لأنّه، تجرّأ، بعدما وصلت الأحوال إلى ما وصلت إليه، أن يعلن أنّ خلاص لبنان مستحيل من دون وضع الإنقاذ بعهدة الأمم المتحدة، ومن دون سحب "" المدعوم من السلطة التي فرضها على لبنان، من صراعات المنطقة.

وإنْ أنتَ أردتَ أن تسخر من انتخابات ينوي نظام بشار الأسد إجراءها، تجد نفسك تبكي على واقع بلادك، في ظل سلطات أولدها القهر والذل والتهديد وتحميها العصبية والغريزة والأسلحة غير الشرعية.

نحن، في مجالسنا، نشكو من أنّ كتاباتنا تأسرها الهموم اللبنانية، ومن أنّ أفكارنا تحدّها المآسي اللبنانية، ولكنّنا كلّما حان وقت التعبير تلاعبت بنا الشؤون اللبنانية كما تتلاعب الرياح بورقة أو بريشة.

هل هذا خطأ منهجي؟ قد يكون الأمر كذلك، ولكن ماذا يفعل الإطفائي إذا، شبّ الحريق في منزله واستُدعي للاهتمام بحريق آخر؟ وماذا يفعل الشرطي إذا استنجد به شخص فيما يكون السارق في منزله؟ وماذا يفعل المُحسن إذا طلب منه أحد خدمة فيما ابنه يئن من الجوع؟ وماذا يفعل الممرّض إذا كسرت ابنته رجلها فيما يكون عليه أن يتوجّه الى مركز عمله؟ 

إنّ الكاتب مثله مثل هؤلاء، فكيف يُمكنه أن يجول على شؤون العالم فيما بلده يقع تحت عبء الهموم؟ وكيف يمكنه أن يُركّز على تحوّلات العالم فيما هو قابع تحت حطام وطنه؟ وكيف يمكنه أن يدين سياسة هذه الدولة أو تلك، فيما هو أعجز من أنْ يُسمع مهدّمي بلاده استنكاره واستهجانه؟ وكيف يُمكنه أن يحذر من قرار دولي، طالما هو ينتمي الى وطن عاجز عن اتخاذ قرار بسيط؟ وكيف يُمكنه أن ينتقد عدوّاً يفعل المستحيل ليكون في مقدّمة ركب التطوّر، في حين أنّه ينتمي الى بلد، طُرد حتى من مؤخرة هذا الركب؟ 

قبل إقلاع الطائرة، يشرح لك الطاقم المختص، ما عليكَ فعله في حال وقوع مشاكل في الرحلة. أكثر ما يستوقفني، دائماً، هو الطلب من الأم في حال كانت برفقة أولادها، أن تُسارع الى تزويد نفسها بجهاز الأوكسيجين، قبل أن تهتمّ بتزويد أبنائها به. 

ونحن، معشر الكتّاب اللبنانيين، ننتمي الى وطن يُعاني من شحّ في الأوكسيجين.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى التدقيق الجنائيّ: لائحة "الكذّابين" طويلة
 

الفن الإسلامي