جروح حرب في لبنان لم تندمل

جروح حرب في لبنان لم تندمل
جروح حرب في لبنان لم تندمل

إشترك في خدمة واتساب

في حمأة الحرب الطاحنة التي يخوضها ، حكومة وشعباً، ضد تفشي وباء ، شهد البلد حادثتين مأساويتين، أعادتا اللبنانيين سنين بعيدة إلى الوراء، وفتحت جروحاً عميقة، بدا أنها لم تندمل بعد، على الرغم من مرور السنوات. الحادثة الأولى، إسقاط التهم عن عامر الفاخوري، وإخراجه من لبنان بطوافة نقلته إلى قبرص، ليسافر منها إلى الولايات المتحدة الأميركية التي يحمل جنسيتها، وهو المتهم بالعمالة لإسرائيل، والمعروف بلقب "جزار الخيام"، وبمسؤوليته المباشرة عن تعذيب أسرى عديدين وقتل آخرين في معتقل الخيام، في أثناء توليه مسؤوليات أمنية في جيش لبنان الجنوبي. والحادثة الثانية اغتيال المواطن اللبناني أنطوان الحايك الذي عمل سابقاً سجاناً في المعتقل عينه، ومعروف أنه شارك في التنكيل وتعذيب سجناء عديدين، والتسبب في مقتل بعضهم. وكان الحايك يعيش، بعد العفو عنه وإسقاط التهم عنه، في منطقة الميه والميه، منذ وقت طويل، ولم يشعر أنه مستهدف بسبب ماضيه في التعامل مع إسرائيل. ولكن منذ الوهلة الأولى، بدت عملية القتل كأنها ردة فعل دموية على فرار الفاخوري تحت أنظار الدولة وعجزها، وطريقة للتنفيس عن حالة الاحتقان الشعبي التي خلفتها الحادثة. وأثار قتل الحايك ردود فعل متباينة، ففي حين اعتبرت فئة من اللبنانيين الرجل مجرماً يستحق القتل، رأت فئة أخرى أن ما جرى جريمة بحق مواطن لبناني برّأته المحكمة، وأن ما حدث تعدّ على حياة الناس، وتحد لسلطة الدولة والقانون. وقد أعاد ذلك كله فتح فصل مؤلم من تاريخ الاحتلال الإسرائيلي للجنوب اللبناني والعمالة معها، اعتقد اللبنانيون أنهم أغلقوه منذ سنوات. 

معلوم أن إسرائيل أنشأت، خلال احتلالها الجنوب اللبناني في عام 1976، تنظيماً عسكرياً محلياً أطلق عليه اسم جيش لبنان الجنوبي، مؤلفاً من أبناء القرى الجنوبية ووحدات عسكرية انشقت عن الجيش اللبناني، استخدمته أداة محلية لإحكام قبضتها الأمنية، ومعالجة الشؤون الحياتية للسكان 
"عاد موضوع العمالة مع إسرائيل ليلقي بثقله على الواقع اللبناني"
المحليين. وكان معظم عناصر هذا الجيش من المعادين لوجود المقاومة الفلسطينية المسلحة في لبنان، والعدد الأكبر مسيحيين مع مسلمين قليلين. واستمر جيش لبنان الجنوبي في القيام بمهماته داخل الحزام الأمني في الجنوب، ومنها إدارة معتقل الخيام حتى الانسحاب الإسرائيلي من لبنان سنة 2000. وفور هذا الانسحاب، شهد لبنان عملية فرار جماعية لعناصر هذا الجيش وأفراد عائلاتهم إلى إسرائيل، خوفاً من تعرّضهم للانتقام. وبالفعل، خلت بلدات مسيحية متاخمة للحدود مع فلسطين المحتلة من كثيرين من أهاليها. وشكل موضوع اللبنانيين الذين فرّوا إلى إسرائيل ملفاً شائكاً بالنسبة إلى السلطات اللبنانية التي سعت سنوات إلى تسوية أوضاعهم، فقد كان عدد منهم يرغب في العودة إلى لبنان. وجرت محاكمة عدد منهم وسجنهم، كما تمت تبرئة آخرين وأسقطت التهم عنهم.
ومع مرور الزمن، خفّت حدّة التوتر والاهتمام بهذا الملف، حتى عودة عامر الفاخوري إلى لبنان، في سبتمبر/أيلول الماضي، وتوقيف السلطات له، وإحالته مجدّداً على المحاكمة، بفعل الضغط الكبير الذي مارسه قدامى المعتقلين في سجن الخيام الذين طالبوا بمحاكمته من جديد. عاد يحمل الجنسية الأميركية، بعلاقات وثيقة مع شخصيات كبيرة في الحزب الجمهوري الذي يعتبر من كبار المتبرعين له، إلى لبنان، بعد تطمينات رسمية حصل عليها من السلطات المعنية، تسوية محاميه وضعه القانوني أمام النيابة العامة العسكرية، وإسقاط التهم عنه بفعل مرور الزمن. ولكن بسرعة هائلة تحولت قضيته إلى قضية سياسية ورأي عام، ما أدّى إلى توقيفه من جديد، وإحالته على المحاكمة، مع توقع أن يصدر حكم بسجنه سنوات. ومنذ ذلك الوقت، بدأت الضغوط الأميركية
"خشية من عمليات انتقامية تحمل بذور نزاع طائفي، لم تنته فصوله بعد"
 الرسمية لإطلاقه، إلى أن حدث هذا أخيرا، بفعل صفقة غير مباشرة بين الأميركيين والإيرانيين، بواسطة السويسريين الذين يمثلون المصالح الأميركية في إيران، تقضي بإطلاق سراح معتقلين في السجون الإيرانية من حملة الجنسيات المزدوجة، الإيرانية والأميركية، ويبدو أن إطلاق الفاخوري جاء ضمن هذا السياق. ويمكن الوقوف على أهمية الخطوة، من خلال الشكر الذي توجه به الرئيس ترامب إلى الحكومة اللبنانية لإطلاقها الفاخوري، واستغلاله الخطوة لأغراض انتخابية.
يُظهر ما حدث حقائق أساسية: أولاً، كان التعامل مع ملف إطلاق سراح الفاخوري جزءاً من معادلة أوسع وأكثر تعقيداً، لها علاقة مباشرة بسعي إيران إلى التخفيف من العقوبات الأميركية عليها في ظل تفشي وباء كورونا من خلال مبادرات حسن نية، منها إطلاق معتقلين، وأن الدور اللبناني كان هامشياً وتابعاً. ثانيا، أحيا فشل الضغط الشعبي اللبناني، سواء على السلطات أو على قيادة ، لوقف إطلاق سراح الفاخوري، كوابيس العمالة مع إسرائيل، وأجّج الرغبة في الانتقام منهم. ومن المحتمل أن يكون قتل أنطوان الحايك أحد نتائجها. الحقيقة الثالثة والأكثر إيلاماً أن موضوع العمالة مع إسرائيل الذي ظن الناس أنه أصبح من الماضي عاد ليلقي بثقله على الواقع اللبناني، وينذر بعودة عمليات انتقامية تحمل بذور نزاع طائفي، لم تنته فصوله بعد، ويمكن أن يهدّد التعايش في الجنوب اللبناني بصورة خاصة. يشكل ذلك كله تهديدا إضافياً خطيراً، يضاف إلى تهديد الأزمة المالية والاقتصادية المستفحلة، والحرب التي يخوضها اللبنانيون أجمع ضد تفشي وباء كورونا.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق تلك اللجنة الفلسطينية للتواصل مع المجتمع الإسرائيلي
التالى اللاجئون ورقة مساومة