العدل قبل الكحول

العدل قبل الكحول
العدل قبل الكحول

إشترك في خدمة واتساب

في موضوع المسجونين والمعتقلين وكورونا، لم يكن يصحّ، منذ البداية، أن تنطلق المسألة من المفاضلة بين سجين سياسي وآخر جنائي، أو بين معتقل رأي ومعتقل مخالفة مرور أو بناء، ذلك أن المطلب الأساس هنا هو الحق في الحياة، لا الحق في الحرية.
وبصرف النظر عن أن النظام المصري لا يقيم اعتبارًا للحق في الحياة والحق في الحرية معًا، فإنه كان حريًا بالجماعة الوطنية والحقوقية المصرية أن تضع المعيار الإنساني قبل أي اعتبار آخر، سياسيًا كان أم أيدولوجيًا أو قبائليًا وشخصيًا.
كان من المتصوّر أن تنأى المسألة عن استجداء نظامٍ لم يُعرف عنه يوما أي احترام لحقوق الإنسان، في حياته وحريته، حتى لا تكون المحصلة الإفراج عن 15 شخصًا من المعروفين، من بين أكثر من مائة ألف يتكدّسون في الزنازين ومقار الاحتجاز في ظروف بائسة، بمواجهة وباء فتاك يضرب البشرية كلها بعنف.
اللافت أن التركيز كان على سجناء الرأي فقط، ليس هذا فحسب، بل على سجناء لون وحيد للرأي، على نحو مثير للاستفزاز، يهدر المعايير الحقيقية المحترمة التي ينبغي أن تتأسس عليها حملاتٌ من هذا النوع، لمواجهة فيروس ينهش كبار السن والمصابين بأمراض سابقة، ولا يمايز بين ضحاياه على أساس المستوى الثقافي أو الاتجاه الفكري.
في البيان/ النداء الصادر أمس من مفوّضة الأمم المتّحدة السامية لحقوق الإنسان، ميشيل باشيليت، إلى الحكومات بشأن إجراءات الحفاظ على سلامة السجناء والمحتجزين، كان المعيار بسيطًا وواضحًا تمامًا وإنسانيًا للغاية، حين لم تفرق بين سجين سياسي وآخر جنائي، ولم تضع" الرأي" معيارًا، لكن العقول والنفوس المسجونة في أبراج العنصرية والاستعلاء استثمرت البيان في تغذية حملتها الفئوية للإفراج عن سجناء الرأي، كما بدا في عنونة صحف للبيان، أو في تلقي أشخاص له.
وقالت باشيليت نصًا "وعلى السلطات أن تدرس سبل الإفراج عن الأشخاص المعرّضين بشكل خاص لخطر الإصابة بفيروس ، ومن بينهم المعتقلون الأكبر سنًا والمرضى، بالإضافة إلى المجرمين الذين يمثّلون خطرًا ضئيلاً. كما عليها أن تواصل توفير متطلّبات الرعاية الصحية المحدّدة للسجينات، بمن فيهن الحوامل، والسجينات ذوات الإعاقة والمحتجزات من الأحداث".
المسألة إذن أبسط وأسهل من تعقيدات الهوى السياسي والغرض الحزبي والأيديولوجي، ولا مجال فيها للمفاضلة على أساس الوزن الثقافي أو اللون السياسي، والتي يمكن استيعابها لو كان الأمر يتعلق بالمطالبة بالحرية في ظروف عادية، إذ تنشط وقتها رياح الشللية، ليضيق مفهوم الحرية وينكمش، حتى ينتهي الأمر بأن مطلب بعضهم الحرية لسجين الرأي السياسي الذي يتفق مع آرائي.
أما وأن الأمر يتعلق بمواجهة وباء وخراب يتطلب رفع المظالم، فإن المنطق، ومقتضى العدل هنا، يقولان إن البداية ينبغي أن تكون بمن كان نصيبه من الظلم أكبر، قبل من كان إلى الظالمين، موقفًا واختيارًا أقرب، والأفضل والأجدر أن تنتفي بالكلية عملية التصنيف تمامًا لتفرغ الزنازين من المظلومين، وتتحوّل السجون مستشفيات ومراكز لعلاج الجميع، من دون تمييز.
تتطهر البلاد بالعدل قبل الكحول، وتتعافى بالقيم الإنسانية والانحياز للمبادئ الأخلاقية قبل التشديدات الأمنية والإجراءات القمعية، ذلك أن تفشي الظلم أخطر على الإنسان من انتشار الوباء، بل أن الأول من عوامل مفاقمة انتشار الثاني.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق الاستبداد بين المجد والتمجد
التالى مبارك والأسد .. والانتقائية المتعسِّفة