هل تصلح كورونا أعطاب النظام العالمي؟

هل تصلح كورونا أعطاب النظام العالمي؟
هل تصلح كورونا أعطاب النظام العالمي؟

إشترك في خدمة واتساب

كشف فيروس عن وهن النظام العالمي وهشاشته، بعدما فرض نفسه على الجميع، فأضحى مدار الحديث بين العامة والخاصة؛ صغارا وكبارا، إذ لا صوت يعلو على "صوت" كورونا هذه الأيام. لقد نجح هذا الكائن المجهول في التغلب على الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا النانو وتراكمات الثورة الرقمية، ناشرا الهلع والخوف والرعب بين البشر، بعدما غزا معظم بقاع العالم في وقت قياسي، محققا سابقة تاريخية، لم تقدر عليها أعتى الجيوش. 

تثير هذه الحالة الفريدة التي تدخلها البشرية، كرها لا طوعا، الأسئلة أكثر مما تقدّم الإجابات، فهذا الوحش المجهري الذي لا نراه ولا نسمعه، وربما لا نشعر به، جعل كوكب الأرض، في أسابيع معدودة، يرزح تحت رحمته، ليحقق عدالة استثنائية؛ أشبه ما تكون بالعدالة في جمهورية أفلاطون، غير مبال بالدولة أو الجنس أو العرق أو المعتقد أو الوظيفة أو المركز الاجتماعي..، فالظاهر أن الجميع سواسية عند كورونا كأسنان المشط.
استطاعت هذه الجائحة أن تضع العالم؛ دولا وشعوبا، أمام مرآة الحقيقة، فقد كشفت المضمر في السياسة، والمخفي في الاقتصاد، وأظهرت الأحوال داخل الدول؛ من دون تمييز بين المتقدمة والنامية، وفيما بينها من خلال تعرية واقع العلاقات الدولية، في زمن الشدائد والأزمات. كما فضحت أعطاب النظام العالمي على الجبهات كافة؛ السياسية والاقتصادية والاجتماعية... والإنسانية، كاشفا زيف ما يتداول في الخطاب الرسمي، فلا قيم ولا مبادئ ولا أخلاقيات.
أتثبت كورونا للعالم قاطبة أن الضرورة تقتضي مراجعة نظام العولمة، الموروثة عن عالم ما بعد الحرب 
"طوال السنوات الأخيرة، سارع مفكرون كثر إلى نعي الدولة؛ بعد التراجع الملفت في أدوارها"
العالمية الثانية، فما جرى ويجري حاليا في دول عديدة فرض إعادة النظر في النموذج الاقتصادي المعتمد بها. خصوصا، بعد عجز دول "صناعية" كبرى، مثل الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا، عن توفير أبسط الحاجيات، من قبيل القفازات والكمّامات الطبية وأجهزة التنفس، لإنقاذ مرضاها، حيث انتظر الجميع قدومها من الصين الذي وكِلت إليه المهمة؛ فهو "مصنع العالم" بدون منازع. وقد دفع هذا الوضع بأصوات أوروبية إلى الحديث عن انهيار الغرب؛ فأوروبا اليوم ضمن دول العالم الثالث، بحسب الفرنسي ميشال أونفري، بعدما عجزت عن تقديم العلاج لجميع مواطنيها. خصوصا أن نسبة مهمة من الوفيات؛ المسجلة في كل من إسبانيا وإيطاليا، مرتبطة بنقص في الوسائل والمعدّات الطبية. يضع هذا المعطى التجارة الدولية موضع اتهام، وتحديدا عند حلول الأزمات والكوارث، ما يستدعي العودة عاجلا غير آجل إلى سياساتٍ صناعة وطنية، بدل الارتهان الكلي للخارج.
من شأن تبنّي سياسة التصنيع المحلي (الوطني) مستقبلا أن ينعكس إيجابا على اقتصاديات هذه الدول؛ بضمان تحقيق الاكتفاء الذاتي، وإيجاد فرص الشغل، وتخفيف مشكلة البطالة، وتقليص حجم الواردات.. ويؤثر سلبيا على العملاق الصيني؛ نتيجة تراجع الاعتماد العالمي على المنتجات الصينية. مصير تسعى بكين جاهدة إلى الحيلولة دون حدوثه، من خلال استغلال هفوات واشنطن، والعمل على ملء الفراغ الذي خلفه التراجع الأميركي، منذ وصول ترامب إلى البيت الأبيض، فكانت أول من لبى النداء الإيطالي، فأرسلت فرقا طبية وصناديق من المعدّات، وشحتها بمقتطف من قصيدة رومانية، يقول: "نحن أمواج من البحر ذاته".
يدق الوباء الأحمر مسمارا آخر في نعش الاتحاد الأوروبي، بعد واقعة الانسلاخ البريطاني، واضعا قيم الوحدة والتضامن الأوروبي على المحكّ، فحين أطلقت إيطاليا صرخة استغاثة، طالبة المساندة والدعم لمواجهة كورونا، كان جواب الإخوة الأوروبيين إغلاق الحدود، وانكفاء كل دولة على مشكلاتها الذاتية، تاركين روما تخوض معركتها وحيدة؛ متنكّرين لما يرفعونه من شعارات ومبادئ. وزاد من تعميق الهوة بين الحلفاء التقليديين في محور واشنطن/ بروكسل، بعدما قرار منفرد للإدارة الأميركية، من دون تشاور أو إخبار مسبق، تعليق دخول مواطني النادي الأوروبي إلى أميركا مدة شهر بسبب انتشار الفيروس.
طوال السنوات الأخيرة، سارع مفكرون كثر إلى نعي الدولة؛ بعد التراجع الملفت في أدوارها، 
"يدق الوباء الأحمر مسمارا آخر في نعش الاتحاد الأوروبي، بعد واقعة الانسلاخ البريطاني، واضعا قيم الوحدة والتضامن الأوروبي على المحكّ"
بسبب الضغط الرهيب لنظام العولمة عليها، قبل أن يقرّر فيروس كورونا إعادتها بقوة إلى الواجهة. حوّلت غزوة كورونا الدولة، تدريجيا، إلى الفاعل الرئيسي الوحيد القادر على خوض هذه المعركة، بما تملكه من قوة وسلطة وصلاحيات، مستغلة أجواء الخوف والتوتر التي دفعت المواطنين إلى التخلي، طوعيا، عن حرّياتهم ضمانا للأمن والسلامة. خصوصا، بعد وقوفهم على دور الدولة الحقيقي المتجسد في الحماية والرعاية، بعيدا عن الاختزالات المغلوطة التي تربط الدولة بالرأسمال؛ محوّلة إياها إلى مجرد مقاولة كبيرة.
حصلت الدولة، إذن، على تفويض عام لمواجهة الجائحة، وسخرت لأجل هذا أحدث ما جادت به الثورة الرقمية (معرفة الوجوه، تحديد الأماكن، شبكة المعارف..)، من دون مبالاة بحماية الحقوق وضمان الخصوصية، بعدما صار انتهاكها يحظى بمباركة الجميع. تعزّز هذا التفويض، بمحدودية دور المجتمع المدني العالمي والمحلي وانحساره، فتعاطي الهيئات مع الوباء كان محتشما؛ لافتقارها الأدوات القانونية والإمكانات المالية، وبقي رديف ما تتخذه الدولة من إجراءات وقرارات.
اكتشاف العلماء للدواء مسألة وقت لا أقل ولا أكثر، فالرغبة في العيش غريزة إنسانية، تدفع المرء إلى التمرّد على كل ما يحول دونها. كما أن التأثير الصحي للوباء سيزول مع مرور الزمن، وسوف تتجاوز البشرية خطرها، كما تجاوزت حروبا وأزمات سابقة، لتستأنف الحياة انطلاقتها بشكل طبيعي. لكن أثره على النقاش والتداول بشأن أسئلة كبرى، في السياسة والاقتصاد، كما في الثقافة والاجتماع الإنساني، سيمتد عقودا، فحتما عالم ما بعد كورونا لن يكون ذاته عالم ما قبلها.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق مقاطع في المشهد العربي
التالى تواصُل إماراتي مع عون أو مع الحكومة خلال أيام... "كورونا" سيفتح الحدود مع سوريا!؟...