عودة إلى الدرس الأول

عودة إلى الدرس الأول
عودة إلى الدرس الأول

إشترك في خدمة واتساب

الدهشة عنوان المرحلة بالنسبة لي، ولكثيرين غيري بالتأكيد. الدهشة الآن سيدة الموقف العالمي كله، فلا أحد، حتى في أقصى احتمالات التشاؤم، كان يتوقع أن يطلّ علينا العام العشرون من الألفية الثانية بهذا الشكل القاسي.. القاتل.. الشامل. 

قرأت تغريدة لأحدهم تقول إننا كنا قبل عشرين عاما نتخيل أننا في عام 2020 سنستخدم السيارات الطائرة، وستكون رحلاتنا إلى الفضاء أمراً طبيعياً، وسنسكن كلنا في منازل ذكية، وفقا لمصطلحات التقنيين، ومن يدري؟ لعلنا لن نكون بحاجةٍ إلى استخدام الدوام، أو حتى الطعام، بالشكل المعتاد. ولم نكن نتوقع أن الدرس الأول لنا في هذا العام سيكون كيفية غسل أيدينا جيدا بالماء والصابون!
ليست تلك التغريدة طرفة، ولا أظن أن أحدا ممن قرأها ضحك عليها، على الرغم من المفارقة الكامنة فيها، لكنها الواقع الذي صار يعبّر عن نفسه بمزيد من الدهشة في كل مفرداته. ومع هذا، ما زال هذا الواقع غير قادر على فرض جبروته علينا بشكل كامل. مثلا، لم أعد، حتى بعد معايشتي اليومية واقع انتشار فيروس المستجد في العالم، أتقبل أنه واقعنا الآن، وأنني وأنا أكتب هذه المقالة الآن خاضعة للحجر المنزلي الإجباري، جرّاء فرض حظر التجول الجزئي في البلاد. وأنني، في هذه اللحظة، لا أستطيع لو قرّرت مثلا أن أخرج خارج البيت، ولو لزيارة جارتي مثلا، فافتراضيا قد يغافلني، في أثناء خروجي دقائق، وعلى بعد أمتار من باب المنزل، الجنرال كوفيد، الذي يحمل الرتبة رقم 19، متخفياً باسم جميل مفعم بالأنوثة والدلال: كورونا. ومن يدري ما الذي سيحدث لحظتها، وكم من الضحايا سأطيح بهم في طريق العودة، وفي منزلي أيضا؟
هكذا التهم الفيروس مساحة واسعة من حرياتنا التي يبدو أننا تنازلنا عنها، وربما سنتنازل عما تبقّى لنا منها في سبيل البقاء على قيد الصحة والحياة كلها، مدجّجين بقناني المعقم التي نحرص على ألا تفارقنا وبكماماتٍ نخفي فيها ملامح وجوهنا، حتى لا يتعرّف عليها السيد الجنرال القاتل بسهولة. ولمزيد من الحرص، نلبس القفازات المطّاطية، كي لا نترك بصماتنا على ما نلمسه من أشياء، كلصوص محترفين!
تضاءلت، تحت وطأة الخوف من التقاط العدوى، جميع رغباتنا الكبرى والصغرى تقريبا. أصبحت كل الأشياء الأخرى مجرّد رفاهية. وفي أثناء الوقوف في الصف المؤدّي إلى بوابة المخبز الآلي، للحصول على بضعة أرغفة من الخبز، ستجد نفسك في عاصفة من التفكير في البقاء على قيد الحياة وحسب. تسحب المسافة جيدا بينك وبين من يتقدّمك في الصف، وبينك وبين من يليك، فلا بد أن تكون في الحالتين أكثر من متر على الأقل. وفي هذين المترين وحسب، تكون حرا لا تتحرّك إلا بمقدار ما يتحرّك الذي أمامك. تحصل على أرغفتك أخيرا، وربما تتخلى عما تبقى من نقودك، حتى لا تترك للفيروس المتربّص أي احتمال ينفذ منه إليك عبر تلك القطع المعدنية الصغيرة! تكمل يومك كله في حسبة الاحتمالات التي قد يؤدي الخطأ فيها إلى المستشفى معزولا عمّا تبقى لك من مساحات قليلة من الحرية.
تعود إلى الدرس الأول، والذي تحوّل إلى أن يكون درسك الأهم في الحياة: اغسل يديك جيدا بالماء والصابون عشرين ثانية.. اغسلهما كثيرا، وتعوّد على أن يكون ذلك جزءا من طريقتك في التنفس مثلا. ولا تفكر في اختراع طريقة لغسل روحك من أدران الحياة الآن.. سيبدو الأمر ترفا زائدا عن الحاجة، حاجتك إلى البقاء حياً.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق أميركا والنفط السعودي: في جذور العلاقة
التالى مبارك والأسد .. والانتقائية المتعسِّفة