أخبار عاجلة
لمسة الوالدين.. ماذا تفعل بدماغ رضيعهما؟ -
الدولار إلى 20 ألف ليرة إن لم تُشكّل الحكومة! -
المبادرة الفرنسية “على أبواب جهنم” -
لائحة تسميات من “الثنائي”… وشرط لعون! -
بسبب الديون.. أميركا تهدد تركيا بسحب شركاتها -
طالبة مصابة بكورونا تعرّض رفاقها للخطر! -
سقوط كلّ محاولات تسلّل “الحزب” إلى الحكومة -

تابع إحصائيات فيروس كورونا لحظة بلحظة

في ثقافة الهزيمة وخطاياها العشر

في ثقافة الهزيمة وخطاياها العشر
في ثقافة الهزيمة وخطاياها العشر

إشترك في خدمة واتساب

أعلن الفعل الرمزي الخارق الذي أقدم عليه الكويتي النبيل، مرزوق الغانم، إذ ألقى بصفقة الغدر والحقد والثأر في سلّة القمامة، خروجا ماجدا على ما بات سمةً تقليديةً قارّةً لثلةٍ من الأنظمة السياسية العربية المخادعة التي علّقت وجودها، صراحةً أو تعريضا أو خفيةً، على مبدأ التحالف العضوي مع الإدارة الأميركية الاستعمارية الراعية للاحتلال الصهيوني المغتصب لفلسطين، وللعدوان المستمر والاحتقار الصارخ للعرب والمسلمين. تمدّ هذه الأنظمة جذورها في "عصبياتٍ" لبعضها دورٌ مشهودٌ في عرقلة مسار الكفاح الفلسطيني وتعطيله، منذ العام 1936 إلى هذه الأيام التي لا يتحرّج فيها ولي عهد الدولة من الاعتراف بحقّ إسرائيل واليهود في فلسطين. قد يبدو أن هذا الموقف، وما يشبهه، لا يتجاوز دور عصبيةٍ بدويةٍ تعرض في التاريخ العربي الحديث، لكن الحقيقة هي أن خطر الأمر يذهب إلى أبعد من ذلك بكثير. ذلك أن هذه العصبية تستأثر بأمرين جليليْن: أولهما أنها تتمتع بسدانة البيت الحرام ورعاية الأماكن المقدّسة والحجيج. ثانيهما أنها تستبدّ بثروةٍ بتروليةٍ تهيئ لها أن تمارس أدوارا حاكمة في جملة القطاعات الاقتصادية والسياسية والثقافية في بلدان العرب والإسلام الغارقة في الفقر والعوز والحاجة. 

وتقترن بهذا سلطة توجيه الأفكار والاتجاهات والسياسات. ومع ذلك، فإن هذه العصبية قاصرة في تأثيراتها الثقافية والفكرية والأيديولوجية لفقرها الثقافي الذاتي، ولسياساتها الكابحة للحرية، ولنشر المعرفة والثقافة الخلاقة، ولأن أذرعها الإعلامية ورموزها الثقافية والفكرية تظل موضع الشك والريبة لدى المواطن العربي على وجه العموم. بيد أن هذه العصبية ما لبثت، في العقود الأخيرة، أن وجدت حليفا لها معزّزاً لـ "رسالتها" في العصبية العسكرية" التي تجذّرت في أرض الكنانة منذ العام 1952، ثم تحوّلت من المرحلة "الوطنية" إلى مرحلة "التبعية" غداة رحيل الحقبة الناصرية.
في هذه الحقبة، شهدنا ونشهد تشكيل ثقافة مصرية مضادّة للثقافة الوطنية تنشد تحالفا وتكاملا مع ثقافة العصبية البدوية السعودية التي تقودها زمرةٌ من المثقفين، ذوي الماضي الليبرالي الذين 
"ثقافة فاقدةٌ للمعنى، لا تطلب أن يكون لحضورها التاريخي في الحاضر المباشر أية دلالة أو قيمة عليا أو رسالة ذات قصد سام"
تنكّروا، على شاكلة تركي الحمد، تنكّرا قاطعا لماضيهم الليبرالي، وسقطوا في مواقف خيانية فاضحة. هذا الخليط من المثقفين السياسيين "العضويين" ينطق اليوم بثقافةٍ جديدةٍ هي "ثقافة الهزيمة" المتواطئة مع ثقافة التحالف الأميركي – الصهيوني، والتي تمدّ لسانا طويلا لم يتهم رموزها بأنهم عملاء لهذا التحالف. والحقيقة أن حضور هذه الثقافة النابتة لا ينحصر في حدود هاتين العصبيتين، البدوية والعسكرية، إنما يتّسع ليطال بؤرا عدة في جملة الفضاءات الاجتماعية – الثقافية العربية. ولكن بدون أن يكون لهذه البؤر الأثر والخطر اللذان يشخصان في أعطاف الفضاءات الجيو – سياسية التي توفرها العصبيتان البدوية والعسكرية. هذه الثقافة "العضوية" النابتة تنفرد بجملةٍ من الخصائص التي أتبيّن فيها ثلة من "الخطايا" التي توجّه إلى أنماط مذنبة من التفكير والسلوك والتمثل والتموضع يصدُق عليها عندي رسم "ثقافة الهزيمة". لنا بكل تأكيد أن نسأل: كيف تكون للهزيمة ثقافة؟ أليست الهزيمة واقعا وضعيا سالبا يشخّص في حالة ذات أعراض صماء، هي العطالة وموات الفعل والركون إلى الصمت وانعدام الفاعلية؟
الحقيقة هي أن الأمر هو على هذا النحو، لكن من بعض الوجوه، لا من كل الوجوه، لأن "حالة" الهزيمة يمكن، في محصّل الأشياء، أن تخرج عن هذا التخطيط السكوني، وتتحوّل إلى "فعل حركي" ناشط، بل إلى نمط "أيديولوجي" مستحدَث، ضارب، تستدعى فيه عندذاك معانٍ لا تعبر عن "أوضاع سكونية" فقط، إنما أيضا عن أوضاعٍ حركية، أو عن "فاعلياتٍ" نشطة. قد يقال إنها فاعليات "سالبة"، هي من وجه ما هكذا، لكنها، في حقيقة الأمر، "إيجابية"، بمعنى أنها فاعلةٌ، مؤثرةٌ، مؤذنةٌ بسلوكاتٍ وبأفعالٍ وبمبادراتٍ ومواقف وأوضاع توجّه إلى التغيير في العادات والأفكار والمسالك والأفعال، وفي تشكيل أنماط جديدة من الأحوال والمواقف والمبادرات. لهذه الثقافة أعراضٌ وخصائصُ وتمثلاتٌ و"خطايا" تعكس "فلسفة في الأمر"، توجّه الفكر والفعل والحياة والمصير.
يؤسفني أنني، في هذا القول، سأضطر، في رسم أحوال هذه الثقافة، وفي الإشارة إلى أصحابها، إلى أن أستخدم بعض المفاهيم أو المصطلحات، بل أيضا الألفاظ "الحادّة" التي تخرج عن حدود التقليد الأكاديمي المتداول. لماذا أنهج على هذا النحو؟ بتعبيرٍ أدق: لماذا أنا مضطرٌّ، بل ملزمٌ بسلوك هذا النهج؟ بكل بساطة، لأن "ثقافة الهزيمة" تلاحق كينونتنا الوجودية المشخصة الحية التي لا تملك إلا أن تكون أمينةً على طِلباتها الوجودية المشروعة، وكذلك لأنها تتعلق بمسؤوليتنا الوطنية التاريخية قبالة مجتمعاتنا الحالية والآتية.
ولأن أي قولٍ في "ثقافة الهزيمة" يحمل مسؤوليةً أخلاقيةً صميميةً فإنه لا قبل لأحدٍ مثلي أن 
""ثقافة الهزيمة" تلاحق كينونتنا الوجودية المشخصة الحية التي لا تملك إلا أن تكون أمينةً على طِلباتها الوجودية المشروعة"
يتنكّب عن التعلق بأهداب هذه المسؤولية، وأن يعبر عن هذه المسألة بدون لفٍّ أو دوران. وحين تكون المسألة ممتدةً عضويا بقضيةٍ ساميةٍ قصوى كالقضية الفلسطينية، فإن كل شيءٍ ينبغي أن يُقال بلا حرج ولا خداع. في حدود هذه المقاربة، أقول إن "ثقافة الهزيمة"، على العموم والإطلاق المبدئي، تجسّد ثقافة في الانحطاط والتّدلّي، وإنها تشخص في وجوه تمدّ أقدامها وأذرعها في جملةٍ من "الخطايا" التي حين يجري قياسها في حدود الزمن العربي والكوني الراهن، وفي حدود القضايا الكبرى التي تعرض للوجود العربي وللمستقبل العربي، فإنها تتمثل في "خطايا" لا تغتفر.
هي، أولا، فاقدةٌ للمعنى، لا تطلب أن يكون لحضورها التاريخي في الحاضر المباشر أية دلالة أو قيمة عليا أو رسالة ذات قصد سام. وهي، ثانيا، ثقافةٌ فاقدة للاحترام والكرامة، غارقة في الذل والهوان والاحتقار، ولمعانٍ من هذا القبيل يتقبل ملك السعودية الإهانة تلو الإهانة، والصفعة تلو الصفعة، التي يوجهها إليه الرئيس الأميركي "قليل الذوق والأدب". وهي، ثالثا، مسيّجة بغيابٍ كامل للقيمة الأخلاقية، أي أن مفهوم "القيمة الأخلاقية" لا يدخل في معجمها المتداول، فاقتناء ولي عهد السعودية يختا فلكي الثمن، ولوحاتٍ فنية خارقة للحدود، وقصورا إمبراطورية فاجرة في البذخ، قبالة مناطق عدة وجماعاتٍ بائسةٍ ترزح تحت الفقر المدقع في المملكة، وحكايات فاتنتي "هوليوود"، كيم كاردشيان ولندسي لوهان، ذلك كله وسواه لا يحرّك ساكنا لدى مثقفي الليبرالية المغدورة ورموز "ثقافة الهزيمة"، ومثل ذلك أكثر وأفظع، تقطيع خاشقجي وتذويبه بالأسيد.
وهي، رابعا، تحتقر مبدأي العدالة والحرية، ولا تحرّك ساكنا قبالة ما يلحق المثقفين والمثقفات وعلماء الدين من اضطهادٍ وتنكيل وسجن وتعذيب. وهي، خامسا، فاقدة للحمية الوطنية، ساقطة في مواقع العمالة والخيانة: فلسطين لا تعنينا (تركي الحمد)، القدس خرافة (يوسف زيدان)،
"حالة" الهزيمة يمكن، أن تخرج عن التخطيط السكوني، وتتحوّل إلى "فعل حركي" ناشط"
إسرائيل دولة شرعية ولها الحق في فلسطين (محمد بن سلمان) .. . وهي، سادسا، ثقافة تابعة، "مغلوبة"، فاقدة للأصالة، تستمد ثقافتها وقيمها وفعالها من الثقافة "الغالبة"، عاجزة عن أي خلق أو إبداع. وهي، سابعا، فاقدةٌ للإرادة والمبادرة، عاطلةٌ عن الفعل الحر المستقل، منزوعة من كل سلاح. وهي، ثامنا، ثقافة "قَدَرية" يائسة، لا حول لها ولا قوة، تؤمن بخنوع واستكانة وتذلل بأن الإنسان ريشةٌ في مهبّ الريح، ليس له من الأمر شيء. وهي، تاسعا، ثقافةٌ نفعيةٌ فردانيةٌ أنانيةٌ، تطلب الخير الخاص، ولا تأبه بالخير العام. وهي، أخيرا لا آخرا، تُسجي المديح المنافق الكاذب غير العادي لمفهوم "الاستقرار" الذي هو "عماد القوة العربية والاستقرار العربي والتماسك العربي والأمل العربي في الحاضر والمستقبل"، ويمثّله ويجسّده "العرب الأقحاح"، عرب "الدولة العربية السعودية". .. هكذا كتب رضوان السيد في إحدى مناسبات اليوم الوطني السعودي.
لهذه الثقافة اليوم حضور شاخص في مواطن أشرتُ إلى بعضها، ولدى رموزٍ نوّهت ببعضها. لكنها تلقى رفضا قاطعا وإدانةً جذريةً في مجمل الفضاءات العربية، حيث تفجّرت، في كل مكان، المظاهرات والاحتجاجات والتنديدات اللافظة لمشروع التصفية الذي "فبركه" الصهيوني كوشنر، وألقاه مرزوق الغانم، باسم العرب جميعا، في حاوية القاذورات. هذه المواقف العربية الوطنية تدحض دعاوى رموز "ثقافة الهزيمة"، وتعد بمستقبلٍ أكثر أملا وإشراقا وقوة، وهي تمثل، في الآن نفسه، دعوةً إلى العمل من أجل تشكيل قوة ثقافية – سياسية مناهضة، مناضلة، تعيد الأمور إلى طريقها السديد في جملة أقطار العالم العربي، وتتضافر فيها قوى التحرّر والتغيير والتقدّم خارج سياق الوثوقيات الأيديولوجية التقليدية المتصارعة، عبثا، والتي فقدت نسغها وفاعليتها وقدرتها على إحراز أي تقدّم، وعلى نحوٍ يلحق الهزيمة بثقافة الهزيمة، ويرسي قواعد الأمل في مستقبلٍ حر، أخلاقي، عادل، مستقل، مالك لإرادته ومصيره، مستقبل مضاد، آخر.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق من بيروت إلى ليسبوس اليونانية… دخان أسود في الأفق
التالى بعد استنزاف الاحتياطي: الدولار إلى 21 ألف ليرة؟