أخبار عاجلة
فك خيم الطلاب المعتصمين في جديدة مرجعيون -

“انتفاضة لبنانية شجاعة” تكاد تضيع

“انتفاضة لبنانية شجاعة” تكاد تضيع
“انتفاضة لبنانية شجاعة” تكاد تضيع

الرأيُ قبل شجاعةِ الشُجعانِ/ هو أولٌ وهي المَحلُّ الثاني

فإذا اجتمعا لنَفْسٍ حُرَّةٍ/ بلغَتْ من العَلياءِ كلَّ مكانِ

(المتنبي)

لا “عامية لحفد”، ولا “عامية أنطلياس” ولا “ثورة طانيوس شاهين”، استطاعت أن تحقق شيئاً من شعاراتها. وهي شعارات، لمن لا يتذكَّر، غلب عليها طابع الحقوق الاجتماعية والاقتصادية. حركات يمكن تسميها “ثورات ثقافية” مبكرة. للأسف أغلب “الثورات الثقافية”، من جان جاك روسو إلى ماو والقذافي رافقها العنف، وبعضها ترك وراءه كوارث سياسية! ولن أخوض أكثر.

يمكن، تحديداً، شبابنا وشاباتنا المنخرطين انخراطاً قوياً صادقاً في “الانتفاضة اللبنانية” أن يعودوا إلى الكتب ليعرفوا ما القصد من “الكوارث السياسية” التي حصلت. هذا لا يعني أن الحراك التاريخي الذي اتخذ طابع حقوق الناس، و”ثورة فلاحين”، ورفض الضرائب، ووصل إلى حد إعلان “جمهورية”، كان سبب الكوارث التي حلَّت.

برأيي سرّع ذلك الحراك التاريخي الأحداث المحتومة، ولم يستطع أن يغيّر من الاتجاه الحتمي للتاريخ. يبدو أن حصول المواطن على حقوقه المشروعة من دولته، عربة يجب أن يتقدمها حصان. وبحكم تجارب كل المجتمعات، الحصان هو حصان “السياسة”. وعلى فرسان “الانتفاضة اللبنانية”، قبل أن يقعوا عن صهوات جيادهم، أن لا يَضَعوا العربة قبل الحصان.

من متابعة متأنية لمنطق “المنتفضين” وأدائهم وإرادتهم وصدقهم، راودني شعور بأنهم في أعماقهم يعلمون أن “السياسة” هي الحل. ولكن اللجوء إلى العاطفة والعنفوان أسهل. “السياسة” لا تعترف بمقولة “كلن يعني كلن”. “السياسة” تقبل مثلاً “معظمهم”. “السياسة” تؤمن بـ”حركات تصحيح”. وحركات التصحيح تعني ضمناً أن هناك أموراً صحيحة، وهناك أموراً تحتاج إلى “الحذف”. “السياسة” تعني أن هناك ثوابت مترسخة وليست بالضرورة فاسدة. إذا تجاهلتم “الثوابت” أو لم تحسنوا التعامل معها، واعتبرتم استرداد مليون دولار من فاسد هو الحل، فستخسرون “الثوابت” الجميلة، والملايين والمليارات، وما تبقى من جدران الهيكل اللبناني. لن يبقى، لكم ولنا، إلا “الثوابت القبيحة”!

أفرزت “الانتفاضة” رموزاً يعوّل عليهم. راقبتهم وسمعتهم وأعجبت بهم. وسمعت أصواتاً نسائية وأساتذة جامعيين الأفضل لهم وللجميع أن يكونوا بين الحشود لا بين القادة.

أيتها “الانتفاضة اللبنانية” الشجاعة، تمهلي، وأعيدي تصويب المسار. يقول المثل “الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون”، لا تحوليه “الأبناء أكلوا الحصرم وهم وآباؤهم ضرسوا”!

أيتها “الانتفاضة” شكّلي أحزابَك السياسية. يُشعرني بالمرارة من يقول “لا نريد أن يكون لنا قادة حتى لا نُستهدف ونُعتقل”. أعلم أن هذا المنطق ليس سببه الخوف، ولكنه فعلاً يدعوني إلى التشاؤم من الأيام الآتية.

أيتها “الانتفاضة اللبنانية” الشجاعة، تتسرب إلى عقولكم كلمات تعني الكثير، إذا تبصرتم بها. أنتم تدافعون لأنها “ثورة” وليست حراكاً، وكلما قال قائل “حراك” رددتم “ثورة”. غداً ستهدأ العواطف وستغلب كلمة “حراك” كلمة “ثورة”. لقد نقلوكم إلى خط الدفاع. أغلبكم يحيّد سلاح “”، على الأقل جَهاراً، وهذا السلاح هو في أساس فقدانكم حقوقكم. إنه سلاح “سياسة”. أنتم منقسمون بين من يقول: هو سلاح “مقدس”، أو “محيّد”، أو “مؤجل”. أي “ثورة” تحيِّد وتستثني وتؤجل؟ هنا أصبحتم في الخطوط الخلفية لمعركة ستورطون بها غيركم!

رجاءً تحولوا أحزاباً أو منظمات سياسية على نحو سريع. قدرتكم على تنظيم أنفسكم توازي قداسة الشعارات التي تطلقونها ونبلها.

أنتم تسمعون وتلاحظون وتغضبون من تصرف السلطة بعد استقالة الحريري. هي تريد فرض منطق خاص للحلول، ومسار مغاير للأحداث. تشكيل قبل تأليف. “نريد الحريري رغماً عنه رئيساً لحكومة جديدة”.

تفتش السلطة عن حادثة تَفِهة وغير معبِّرة، في مكان ما، وتحاول إقناعكم بأنها توازي سمو مطالبكم. تريدون حكومة مستقلة؟ لن يوافق “حزب الله”، تحديداً، إلا على حكومة تسمي أعضاءها الأحزابُ الحالية. والحريري ربما غداً يوافق، و”الحالة العونية” طبعاً لن تتحرك. لا تتحولوا “حالة عونية” صودف أنكم لا تحبون “العونيين”. “العونيون” قفزوا من معارضة السلاح غير الشرعي، إلى مدح سلاح حزب. “العونيون” لم يعد النظام السوري خصمهم لأن جيشه رحل. “الجيش السوري الثاني” من الشخصيات والأحزاب التي لا تزال على ولائها لبشار الأسد، لا يشعرون بوجودها، لا بل أصبحت الناطقة بـ “العونية الجديدة”. هم يحاربونكم بأداتين: “سلاح المقاومة” و”السياسة” وأنتم تردون بأداة واحدة: صرخة الموجوع والجائع والغاضب. أضيفوا “السياسة” إلى الصرخة قبل أن تصبح “صرخة في واد”.

أيتها “الانتفاضة اللبنانية الشجاعة” رائعة تظاهراتكم، شعاراتكم، أحاسيسكم الوطنية. لكنها لا تكفي. غداً، إذا اضطُر خصومكم فهم قادرون على إنزال مئات الألوف إلى الشوارع. يمكنهم أن يحشدوا مثلكم، وأكثر منكم. وعندهم “نَفَس” أطول من نَفَسِكم. فلا تعتقدوا بأن التظاهرات بلا “السياسة” ستعطيكم النتائج المنشودة. في العام 2005 لم يتأثروا بشيء. في “حرب تموز” دُمِّرَ ولم يرف لهم جفن. غداً يطل عليكم زعماؤهم ويشرحون لأنصارهم “المؤامرة” التي أعددتموها وكانت تستهدف وجودهم.

أيتها “الانتفاضة اللبنانية” الشجاعة، إذا نادوا غداً بصرخة “هيهات منّا الذلّة”، هيهات أن تقدروا على الخروج من منازلكم. لنكن واقعيين. “انتفاضتكم” أمل حقيقي، إذا عرفتم تنظيم أنفسكم وصوغ تحالفاتكم السياسية. لا تصدقوا أمانيكم فحسب. ثورة الطلاب الفرنسية في العام 1968 لا أثر لها اليوم في “الجمهورية الفرنسية”. طانيوس شاهين انتهى موظف دولة. وبقي إقطاع بيت الخازن. وقبل أن ينتهي إلى ما انتهى إليه، تخاصم طانيوس شاهين ويوسف كرم، وانخرطا في “حرب 1860”. وفي إحدى “الجولات” ذهب طانيوس شاهين الى أنطلياس دفاعاً عن “الإمارة الشهابية المسيحية”. قبل وصول طانيوس شاهين إلى أنطلياس بنحو عشرين سنة، شهدت هذه البلدة “عامية أنطلياس”. كلنا “نتغنى” بتلك العامية، التي جاء في نصها حرفياً “إنه يوم تاريخه قد حضرنا إلى مار الياس أنطلياس نحن المذكورة أسماؤنا به بوجه العموم من دروز ونصاره ومتوله وإسلام المعروفين بجبل لبنان من كافة القرى وقسمنا يمين على مذبح القديس المرقوم بأننا لا نخون ولا نطابق بضرر واحد منا كلياً بل يكون القول واحد والري (الرأي) واحد”.

هذا القَسَم سبق التغني بالوحدة الوطنية التي تشعل ساحتي رياض الصلح، والشهداء، وطبعاً سبق قَسَم جبران تويني في المكان نفسه. من “عامية لحفد” العام 1821، إلى “لبنان الكبير” العام 1920، ولبنان من مئة سنة، إلى مئة سنة شجرة أرز صامدة. ومن المعاندة أن نلتصق تحتها أو نحتمي بها.

لو للأرزة يد لدفعتنا بها بعيداً وقالت “اذهبوا وازرعوا قمحاً وتفاحاً. خذوا مني الصلابة فقط. على أغصاني لن تجدوا ثماراً تؤكل”.

يقول دوتوكفيل “كل جيل هو شعب جديد”، ربما إذا عرف أي حصان أو جحش ابن أتان يركب.


المصدر: الاندبندنت

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق "يوغا" ومُساكَنَة و"عادة سريّة" والساحات المُشتعِلَة شبابياً!...
التالى مملكة أمجد ناصر